أبي منصور الماتريدي

388

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ البقرة : 6 ] غير أن هذه في المنافقين والأولى في الكفرة . وهي تنقض على المعتزلة قولهم ؛ لأنهم يقولون : إن الله لا يقدر أن يستنقذهم في حال الاختيار ، وإنما يقدر الاستنقاذ منهم في حال الاضطرار ، فأخبر عزّ وجل : أنه يستنقذهم على فعل الطغيان . وقوله : وَيَمُدُّهُمْ أي : يخلق فعل الطغيان فيهم . ويحتمل : أن يخذلهم ويتركهم لما اختاروا من الطغيان إلى آخر عمرهم . ويحتمل : أنه لم يهدهم ولم يوفقهم . وفي هذا إضافة المد إلى الله . وإضافة المد على الطغيان لا يضاف إليه إلا لمدح ، والمدح يكون بالأوجه الثلاثة التي بينا ، وفي هذا أنه إذا كان هو الذي يمدهم في الطغيان قدر على ضده من فعل الإيمان ؛ فدل أن الله خالق فعل العباد ؛ إذ من قولهم : إن القدرة التامة هي التي إذا قدر على شئ قدر على ضده . والعمة : الحيرة في اللغة . قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى . أي : اختاروا الضلالة على المدعو إليه - وهو الهدى - من غير أن كان عندهم الهدى ، فتركوه بالضلالة . وهو كقوله : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [ البقرة : 257 ] من غير أن كانوا فيه ، فكذلك الأول ، تركوا الهدى بالضلالة ابتداء . وقيل : الضلالة : الهلاك ؛ أي : اختاروا ما به يهلكون على ما به نجاتهم ، وإن كانوا لا يقصدون شراء الهلاك بما به النجاة ؛ كقولهم : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [ البقرة : 175 ] لا يقدر أحد أن يصبر على النار ، ولكن فما أصبرهم على عمل يستوجبون به النار . وكذلك قوله : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ [ البقرة : 90 ] أي : بئسما اختاروا ما به هلاك أنفسهم على ما به نجاتهم . وفي هذه الآية دلالة جواز البيع بغير لفظة البيع ؛ لأنهم ما كانوا يتلفظون باسم البيع ، ولكن كانوا يتركون الهدى بالضلالة . وكل من ترك لآخر شيئا له ببذل يأخذه منه فهو بيع وإن لم يتكلموا بكلام البيع . وكذلك قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ . . . الآية [ التوبة : 111 ] . وهو على بذل الأموال والأنفس له بالموعود الذي وعد لهم ، وهو الجنة .